الاثنين، 6 فبراير 2012

خلاصة فكرية بعنوان:الحيــــــــــود الاداري


خلاصة فكرية بعنوان:
الحيــــــــــود الاداري
بقلم الدكتور محمد عبد اشتيوي
بإلقاء نظرة عامة على المصطلحات الادارية نجدها مصطلحات مركبة تعبر عن حالة من الدمج بين مضامين أكثر من كلمة مع بعضهما البعض, وللتعرف على معاني تلك المصطلحات يفضل فصل كل كلمة على حده ومن ثم التعرف على معناها ثم يتم الربط بين معاني الكلمات ككل مجتمع, في ضوء ذلك لا بد من التعرف على مصطلح " الحيود الاداري" من خلال فصل الكلمات عن بعضها. فالحيود ما هو الا تعبير عن حالة النتوء او الانحراف عن النقطة المحددة باعتبارها الأداء الأمثل لتحقيق الهدف. أما كلمة "الاداري" فهي تدلل على ممارسة العمليات الادارية الخمس( التخطيط, التنظيم, التوجيه, الرقابة, التقييم).
 فلو ربطنا معنى الكلمتين ببعضهما نجد بان الحيود الاداري هو " حالة من الانحراف او الابتعاد عن الاعمال الادارية المحددة التي يمكن من خلالها ان تحقق اهداف المنظمة".
حيث يتمثل ذلك الحيود في طبيعة وواقع ممارسة ادارة المنظمة للعمليات الادارية, علما بان ثمة اسباب قد تدفع ادارة المنظمة لممارسة الحيود الاداري يمكن ان نذكر منها ما يلي:-
-         الجهل بالمضامين الحقيقية للعمليات الادارية التي يمارسونها.
-         عدم معرفتهم للأهداف الحقيقية للمنظمة.
-         غياب القدرات الشخصية والمواصفات الوظيفية التي تتطابق مع وصف وظائفهم.
-         تمرير حالة من الانتقام وفرض الآراء الشخصية على الاخرين.
-         النرجسية وحب الذات وتغليب المصلحة الذاتية على مصلحة المنظمة.
-         ممارسة مبدأ المجاملة والمحاباة للبعض. 
اذا فان نتيجة ممارسة الحيود الاداري من قبل ادارة المنظمات هو ايجاد حالة تنظيمية غير متوازنة وغير صحية, يمكن ان تتفرع سلبياتها الى تفرعات متعددة, وان تنعكس سلبا على اداء وانتماء وجهد العاملين المبذول نحو تحقيق ونجاح اهداف المنظمة. ويمكننا ان نذكر بعض المظاهر التي يمكن ان يمارسها العاملين كردة فعل لممارسة الحيود الاداري من قبل ادارة المنظمة العليا وذلك كما يلي:-
-         تدني او انعدام مستوى الانتماء الوظيفي.
-         تفعيل علاقة العاملين بالنقابات العمالية لحمايتهم والمحافظة على حقوقهم امام بطش الادارة وعدم عدالتها.
-         ممارسة تحريض العاملين لبعضهم البعض على ادارة المنظمة.
-         ايجاد تكتلات من العاملين تهدف الى عمليات التشويه المتعمد ضد ادارة المنظمة.
-         ممارسة التخريب في الاعمال التي يقومون بها في المنظمة.
-         عكس العاملين صورة سيئة للمنظمة امام المجتمع الخارجي.
-         القيام بالعصيان الوظيفي وممارسة الاضرابات المتكررة.
-         الهروب وترك العمل في المنظمة وزيادة معدل دوران العمل.
كل هذه الممارسات وغيرها من الممارسات التي من الممكن ان يمارسها العاملين كردات فعل سلبية يمكنها ان تودي  في مجملها الى انهيار المنظمة وتصفيتها بالكامل.  

خلاصة فكرية بعنوان :الطـــــوباويـــة الاداريــــــة

خلاصة فكرية بعنوان :
الطـــــوباويـــة الاداريــــــة
بقلم الدكتور: محمد عبد اشتيوي
في ضوء الدلالات التي يشير اليها مصطلح الطوباوية فهي حالة تدلل على كل ما هو غير واقعي وغير قابل للتحقق ويذهب الى ما هو خيالي ووهمي, فعند الانسان الطوباوي يبرز العامل العاطفي أكثر من العامل العقلي ويتقدم عالم الأماني على عالم المعرفة والواقعية.
فالطوباوية تذهب الى تغليف الأشياء بأمنيات من السوليفان تنمقها وتجملها لتنظرها في فضاءات الافتراض, لتشبع ما يرغب اليه ناظرها, والرغبة عند الانسان ترتبط الى حد كبير بعاطفته باعتبارها حاضنة للتمني. كما ان الطوباوية هي تعبير عن المثالية المطلقة للأشياء التي يصعب بلوغها.
وهنا نقف نتساءل هل يلتقي مفهوم الطوباوية بمفهوم الادارة ؟ وما طبيعة العلاقة بينهما؟
يدفعنا هذا السؤال الى ان نفكر في علاقة الطوباوية بكل عملية من العمليات الادارية, ويمكننا توضيح ذلك على النحو التالي:-
1- الطوباوية وعملية التخطيط: يمكننا القول بان التخطيط لا يلتقي مع الطوباوية من حيث الجوهر نظرا للعديد من الاسباب يمكن ذكر التالي منها:
-         التخطيط مبني على المعلومات الدقيقة, أما الطوباوية فهي مبنية على العاطفة والتقدير والخيال .
-         التخطيط يتمتع بالمرونة لزوم التطبيق, أما الطوباوية في صورة مثالية جامدة ليس لها ان تتأثر باي من المتغيرات المختلفة.
-         يعتبر التخطيط وسيلة لتحقيق أهداف محددة, أما الطوباوية فهي غاية او هدف بحد ذاتها.
-         يلتقي التخطيط بالطوباوية كونهما يسعيان الى تحقيق أفضل الحالات.
-         يلتقي التخطيط بالطوباوية كونهما سيناريوهات غير محققة بعد.
2- الطوباوية وعملية التنظيم: يمكن أن تتضح العلاقة بينهما في النقاط التالية:
-         لما كانت ماهية التنظيم تقسيم وتخصيص الأعمال الفرعية في المنظمة, كانت الطوباوية نتاج كلي توقعي للعمل يتصف بالمثالية المطلقة.
-         تستند عملية التنظيم على مدخلات دقيقة وواضحة, أما الطوباوية لا تعتد بماهية المدخلات وانما تنظر الى المخرجات فقط.
-         يتم التنظيم في ضوء الاهداف الموضوعة سعيا لتحقيقها, أما الطوباوية لا تستند الى أي من المتغيرات ولكنها تأخذ بنجاحها كمسلمات.
3- الطوباوية وعملية التوجيه: ببساطة يمكننا اعتبار التوجيه بداية العمل الميداني من حيث تنفيذ الخطة في ضوء ما تم من تنظيم للموارد المتاحة. حيث يتم الاعتماد فيه على مجموعة من برامج العمل التي تحول الخطة الى واقع عملي. وهنا تتضح علاقة الطوباوية بعملية التوجيه في النقاط التالية:
-         تعتمد عملية التوجيه على  الواقعية, اما الطوباوية فهي حالة خيالية غير واقعية.
-         عملية التوجيه هي عملية جزئية من عمليات الادارة, أما الطوباوية نتاج كلي بغض النظر عن العمليات أو المتغيرات المؤدية اليه.
-         التوجيه يعتمد على المعلومات والخطط المستقبلية, أما الطوباوية تعتمد على العاطفة والتوقع والخيال.
4- الطوباوية وعملية الرقابة: تتضح العلاقة بينهما في النقاط التالية:
-         تتم الرقابة على عمل قد انجز وانتهى, أما الطوباوية فهي حالة مستقبلية مأمولة لم تحقق بعد.
-          تستند الرقابة الى اسس ومعايير محددة, والطوباوية هنا تتفق مع الرقابة كونهما يسعيان الى حالة الكمال للإنتاج.
-         تعتبر الرقابة وسيلة للوصول الى المثالية, أما الطوباوية فهي المثالية نفسها.
5- الطوباوية وعملية التقييم: التقييم هو تعبير عن وصف حالة قد تمت وانتهت وهدفت الى تحديد نقاط القوة والضعف فيها, وذلك ذهابا نحو تعزيز نقاط القوة واصلاح نقاط الضعف. أما عن علاقة عملية التقييم بالطوباوية يمكن أن تتضح في النقاط التالي:-
-         التقييم يهدف للتحسين وصولا لأفضل ما يمكن الوصول اليه, أما الطوباوية فهي تعبير عن المثالية المطلقة والكاملة التي لا تحتاج الى التحسين.
-         التقييم يحدد نقاط القوة والضعف في العمل, أما الطوباوية لا تعترف بنقاط الضعف.
-         التقييم وسيلة لتحقيق الطوباوية, أما الطوباوية فهي عمل منجز ومنتهي.
ومن الجميل ان ننظر الى نجاح العمليات الادارية نظرة طوباوية مبنية على الأمل بالنجاح الكامل, وهذا يبقى قيد التفكير والاعتقاد وفي نفس الوقت يجب ان نتساءل هل الطوباوية حالة صحية ام غير صحية عند تنفيذ العملية الادارية؟  مما سبق يتضح لنا بأنها غير صحية عند تنفيذ العملية الادارية نظرا لجمودها وعدم مرونتها وعدم اعترافها بقدرة العمليات الادارية التي من الممكن أن توصلنا الى الحالة المثالية المتكاملة, علما بأن الادارة تقوم على اساس انها علم وفن, فهي علم مبني على النظريات والاسس العلمية, ويتمثل الفن فيها عند تطبيق تلك النظريات والاسس العلمية على ارض الواقع, ففن تطبيق تلك النظريات يعتمد على الأخذ بالمتغيرات التي تحكم عملية التنفيذ ولا يعتمد على نظريات جامدة لا علاقة لها بالواقع, فالإدارة علم يحتاج المرونة في التطبيق لكي يتم تحقيق الاهداف بواقعية ومرونة, والواقعية والمرونة يجب ان تتصف بها جميع العمليات الادارية (التخطيط, التنظيم, التوجيه, الرقابة, التقييم) وذلك لتحقيق رؤيا ورسالة وأهداف المنظمة.
   


خلاصة فكرية بعنوان :الاحتباس الاداري

خلاصة فكرية بعنوان :
الاحتباس الاداري

بقلم الدكتور: محمد عبد اشتيوي
لما كان الانسان هو الاطار الجامع واللام لكل معطيات وتفاصيل العمل الاداري في المنظمات باعتباره الدم الذي يسري في عروق المنظمة, فلولاه ما دبت الحياة في المنظمات وبقيت مجرد هياكل مهجورة لا قيمة لها في الوجود, فكان لهذا الانسان الاهمية الكبيرة من حيث تحديد مستوى تفاعله مع معطيات العمل في نجاح او فشل المنظمات, وبما اننا اعتبرنا الانسان هو الاطار الجامع لمعطيات ومتغيرات العمل فمن الطبيعي ان يكون الحاضنة التي يحبس ويكدس فيها ايجابيات وسلبيات العمل والتي ينطلق من خلالها في تحديد مستوى تفاعله التنظيمي.
ويدلل مصطلح الاحتباس بمضمونه عن حالة التراكم والتكديس للأشياء ضمن اطار محدد لا تستطيع ان تخرج منه نظرا لعدم تقبلها خارج ذاك الاطار.
وعند اقتران مفهوم الاحتباس مع ادارة الأعمال في المنظمات فلا بد من التركيز على ان الأشياء والمتغيرات الايجابية التي يتلقاها الانسان العامل في المنظمة يكون من السهل تفعيلها واخراجها للمجتمع المحيط نظرا لوجود رغبة في تقبلها عند الاخرين, وبالمفهوم المعاكس نجد الاشياء والمتغيرات التي لا يستطيع العامل في المنظمة البوح بها امام الآخرين لعدم تقبلهم لها تبقى حبيسة في اعماقه وفكره.
فالاحتباس الاداري هو تعبير عن حالة العامل عندما يتلقى الاوامر والقرارات الادارية السلبية ويكون له وجهة نظر مخالفة لها ولا يرغب بها, وعندها لا يستطيع اخراج وجهة نظره امام ادارة المنظمة سواء خوفا او تحرجا او لأي سبب اخر, الأمر الذي يفرض عليه بحبس وتكديس ما يريد في نفسه, وبتكرار حالة استقبال ما هو غير مرغوب فيه عند العامل يوجد عنده حالة من الضغط الداخلي نتيجة احتباس سلبيات العمل الاداري في داخله, يمكن لها ان تؤثر على الاطار العام لشخصيته من حيث نظرته وتفاعله مع الأشياء.
ويمكن ان نعزي تكوين ظاهرة الاحتباس الاداري عند العاملين للعديد من الاسباب يمكن ان نذكر منها ما يلي:-
-         البعد عن العامل الانساني عند اتخاذ القرارات الادارية.
-         تركيز السلطة في جهة محددة لا تعترف بقدرات الاخرين.
-         وجود حالة من عدم الثقة بين الادارة والعاملين.
-         عدم توفير مناخ تنظيمي يلبي حاجة ورغبة العاملين الشخصية والوظيفية.
-         عدم الاعتراف بإبداعات ومبادآت العاملين.
-         تكريس مبدا عدم تكافؤ القرص بين العاملين.
-         تعزيز الادارة لمبدأ التكتلات والتحزبات ضمن فكرة فرق تسد.
كل ذلك وغيره من الظواهر والممارسات الادارية السلبية من شأنه ان يشكل حالة من التراكم السلبي عند العاملين, مما سيؤثر على طبيعة الغلاف الاداري الذي وضعوه لينطلقوا منه نحو حماية المنظمة من أي اخطار ممكنة سواء خارجية ام داخلية, فسلبيات العمل الاداري من شأنها ان تنهك هذا الغلاف وتجعله عرضة للانهيار, مما يقلل او يعدم حتى دافعية العامل نحو الدفاع والمحافظة على المنظمة التي يعمل بها.
          فعندما يصل العامل الى الذروة في حالة الاحتباس الاداري التي تؤدي الى اختراق او حتى تدمير الغلاف الاداري الحامي للمنظمة, فان الاخيرة ستتأثر باتجاهين احدهما داخليا واخر خارجيا. ويمكن ان نوضح ذلك على النحو التالي:
أولاً التأثيرات الداخلية: يمكن ان يقوم العامل بمجموعة من الممارسات الداخلية التي تعبر عن حالة انهيار الغلاف الاداري الناتجة عن الاحتباس الاداري يمكن ان نذكر منها ما يلي:
-         التمرد على ادارة المنظمة وعدم الالتزام بالقرارات الصادرة.
-         تحريض الزملاء ضد الادارة والحث على زيادة معدل الدوران الوظيفي..
-         الفتور والتخريب وعدم الاكتراث بإنجاز الاعمال.
ثانيا التأثيرات الخارجية: ويمكن ان نذكر بعض ممارسات العامل التي ستتأثر منها المنظمة من الخارج ومنها ما يلي:
-         تسريب العامل معلومات هامة عن المنظمة لجهات خارجية .
-         تشويه صورة المنظمة امام الجهات الخارجية مما يؤثر على سمعتها امام عملائها.
-         التعاون مع منظمات منافسة سواء بالمعلومات او بالخبرة او باي شكل اخر.
-         ان يترك المجال دون الاكتراث لأي تعديات خارجية تتم ضد المنظمة.
ففي ضوء الحالة السلبية التي عبرت عنها ظاهرة الاحتباس الاداري لا بد من التفكير والعمل على الوقاية من حدوثها وذلك بالسماح للعاملين بالقيام بعملية التطهير النفسي الداخلي وذلك عبر وسائل متعددة يمكن ان نذكر منها ما يلي:
-         تعزيز روح المبادأة والابداع عند العاملين.
-         تدريب وتمكين العاملين من اعمالهم.
-         الابتعاد عن المركزية الادارية ومشاركة العاملين في صنع القرار.
-         تطبيق انظمة وقوانين تحقق العدل لجميع العاملين على حد سواء.
-         الاخذ بالاعتبار انسانية الانسان عند اصدار القرارات.
-         التعرف على مشكلات العاملين الخاصة ومشاركتهم في حلها.
كما ان هناك العديد من النقاط الايجابية التي من شأنها ان تعزز حالة العطاء والانتماء عند العاملين وتقوية الغلاف الاداري باعتباره أحد الثوابت التي يجب ان ينطلقوا منها نحو المحافظة او عدم المحافظة على المنظمة.

الأحد، 5 فبراير 2012

الارتجال الاداري

خلاصة فكرية بعنوان:
الارتجــــــــال الاداري
المتابع لواقع العديد من منظمات العالم العربي, يجد بأن أداء أي عمل محكوم لعدد من القرارات المنصوصة, والتي في الغالب قد تكون صماء وعمياء لا تشعر بمتغيرات الواقع المحيط للأداء ولكنها تمت زمان معين من وجهة نظر معينة ومن زاوية محددة, وما على الاخرين الا ان ينفذوها كما جاءت حرفيا, وذلك يمثل عبئا كبيرا على كاهل الاداريين المنفذين لتلك القرارات, لأن أي نتوء او خروج عن نصيتها سيضع الاداري أمام المساءلة الادارية ودفع الثمن, والسؤال هنا هل باستطاعة جميع الاداريين استيعاب وفهم تلك القرارات بشكل تفصيلي وموحد ما يجعلهم يتصرفون نفس التصرف؟ يسوقنا هذا التساؤل الى التفريق بين مصطلحين هامين في علم الادارة وهم "المدير, القائد" بخصوص ما يتعلق بتنفيذ القرارات, فالمدير هو من يتناول القرارات الادارية كمسلمات وما عليه الا ان يقوم بتنفيذها حرفيا, أما القائد فهو الذي يؤثر في الاخرين دون الضغط عليهم فيتناول القرارات مضفياً عليها سماته الشخصية في تطبيقها, بمعنى ان القائد يستغل هامشا معينا لتفعيل سماته الشخصية عند تنفيذ القرارات, ما يجعله يتصرف خارج النص الحرفي لتلك القرارات بطريقة غير مبرمجة وغير مدروسة مسبقا مستغلا متغيرات الموقف وتسخيرها لتحقيق الهدف وتنفيذ تلك القرارات, وهو ما يسمى بالارتجال الاداري . فالارتجال الاداري يترك المجال للقائد المنفذ ان ينفذ القرارات المنصوصة بطريقته التي يراها تتناسب مع موقف التنفيذ اعتمادا على قدراته ومهاراته وسماته الشخصية, ولكن من المفترض الا تتعدى نتائج الارتجال الاطار العام للقرارات المنصوصة, وان تكون في عباءتها, وبالعودة الى ما تساءلنا سابقا هل جميع من يقومون على التنفيذ سينفذون بنفس التصرف؟ ترتبط الاجابة عن هذه الجزئية بمدى تطبيق المنظمات مفهوم التمكين الاداري الذي يعتمد على اعداد وتدريب وتمكين العاملين من امتلاك القدرات التي تؤهلهم بالقيام للمهام الملقاة على عاتقهم. فالعامل الممكن يكون باستطاعته التعامل مع المتغيرات الموقفية في ضوء الانظمة والقرارات المنصوصة, فيمكن اعتبار التمكين مدخلا هاما لعملية الارتجال الاداري والتي تعتمد على الذات وما تملكه من امكانات عند الاداري. ولكن ليس من الضروري ان تكون الارتجال الاداري نتائجه ايجابية, فمن الممكن ان تنعكس نتائجه سلبيا على المنظمة, حيث تعتمد نتيجة الارتجال الاداري على طبيعة ممارسته من قبل الادراي, ويمكن حصر ايجابيات وسلبيات الارتجال الاداري على سبيل السرد لا الحصر على النحو التالي:
اولا: ايجابيات الارتجال الاداري
-         القدرة على التعامل مع المتغيرات الموقفية غير المتوقعة.
-         العمل ضمن الاطار العام للانظمة والقرارات المنصوصة لا بحرفيتها.
-         ابراز ابداعات ومهارات الاداري الكامنة .
-         تعزيز الثقة بين المنظمة والاداري بمنحه امكانية الارتجال.
-         الخروج من حالة الجمود الاداري.
-         تعزز واقع المرونة الادارية بالتعامل مع المتغيرات المحيطة.
ثانيا: سلبيات الارتجال الاداري
-         وضع القرارات المنصوصة موضع التقدير حسب خلفيات وقدرات الاداري.
-         اضفاء صفة الشخصنة للعمل الاداري الى حد كبير.
-         اعطاء الفرصة للاداري ان ينفذ مخططات خاصة به تحت غطاء الانظمة والقرارات المنصوصة.
-         تعطي الاداري هامشا من الانتقام او التعظيم لشخص او مجموعة في المنظمة.
-         فتح المجال للتحريف والالتواء لنصوص القرارات.
-         اعطاء فرصة للاداري بالتذرع بتعقيد التعامل مع المتغيرات الموقفية عند فشل التنفيذ.
ولتعزيز حالة الارتجال عند العاملين فلا بد من تمكينهم من أعمالهم بالشكل الذي يضمن قدرتهم على التعامل مع أي من المتغيرات غير المتوقعة وغير المدروسة مسبقا, ولكن يجب ان يتعاملوا مع تلك المتغيرات في ضوء الانظمة والقوانين التي نصت عليها المنظمة من قبل, ضمانا لتنفيذ الاهداف التي حددتاها المنظمة بدون الانحراف عن عن استراتيجيات التنفيذ المعدة, وضمانا للحفاظ على مقدرات المنظمة.
بقلم الدكتور: محمد عبد اشتيوي

الأحد، 15 يناير 2012

العوالم الافتراضية


                                                                  خلاصة فكرية بعنوان:
العوالم الافتراضية

يميل الانسان بطبيعته التي خلقه الله عليها الى الاشياء المحسوسة التي يستطيع التعرف عليها والتعامل معها من خلال ادراكه الحسي لها, وهذا ما أكدته النظرية الوجودية التي لا تعترف الا بما هو محسوس, ولكن الله عز وجل خلق الاشياء منها ما هو محسوس ومنها غير ذلك, وهو ما اكده أغلب العلماء في العصر القديم وفي العصر الحديث, وفي هذا الاطار يمكن ان نتساءل :هل الانسان بعقله الظاهر او بتفكيره التقليدي الواعي يتعامل مع العالم المحسوس فقط أم ان هناك عوالم اخرى يستطيع التعامل معها بنفس عقله الواعي او الظاهر؟ تجدر الاشارة بأن هناك العديد من العوالم الافتراضية التي يمكن ان يتعامل معها الانسان بعقله الواعي او الظاهر ويتحكم بها .
فالعوالم الافتراضية ما هي الا تعبير عن واقع تتشكل معالمه ومكوناته من الافتراض المأمول غير الملموس, ولكنه لا يحاكي جوانب الشخصية الظاهرة عند الانسان, انما يحاكي افكارا واحلاما وقدرات وتمنيات قد لا يستطيع الانسان البوح بها امام الاخرين, ويمكننا النظر الى تلك العوالم الافتراضية على انها سيناريوهات تخيلية يصوغها الانسان بما تهوى نفسه وبالطريقة التي تريد, وكانه يصوغ شخصية جديدة تتشكل معالمها من الجوانب المخفية في شخصيته الحقيقية, ويمكننا ان نسميها "الشخصية الافتراضية, وذلك تعويضا عن الجوانب المخفية التي لا يمكن للإنسان تفعيلها في العالم الحقيقي.
فمع توسع واقع العولمة وظهور ثورة الانفوميديا والتطور الكبير في مجال السمعيات والبصريات الرقمية, تطورت الاساليب التي من شأنها ان تحول تلك السيناريوهات الافتراضية التخيلية الى عالم يخاطب تلك الجوانب المخفية في شخصية الانسان وتجعله يحس بها رغم عدم وجودها في عالمه الحقيقي, علما بأن كل اسلوب من تلك الاساليب أصبح يشكل عالما افتراضيا معينا له خصائصه وامكاناته وتفاصيله الخاصة التي تميزه عن غيره ومن العوالم الافتراضية الاخرى.
فعلى سبيل السرد لا الحصر يمكننا التطرق الى مجموعة من العوالم الافتراضية التي يتعامل معها الانسان ويسعى اليها:
1-عالم الحاسوب:
يعتبر هذا العالم مكن اهم العوالم الافتراضية التي يتعامل معها الانسان في عصر الحداثة الذي نعيش, ومن أكثرهم انتشارا وقابلية عند الانسان, حيث يلجأ الانسان الى هذا العالم الافتراضي هربا من العالم الحقيقي بحثا عن حالة التوازن النفسي التي قد لا يوفرها العالم الحقيقي, ففي هذا العالم يمكن ان يجد الانسان ما يرضيه وما يلبي احتياجه النفسي وحتى البيولوجي, باعتبار ان هذا العالم اصبح يجمع ما بين العالم الحقيقي لاحتياجات شخصية الانسان ومحاكاتها بتوفير الاساليب والطرق الالكترونية لسد تلك الاحتياجات, وذلك على افتراض ان الانسان غالبا ما يعيش بأكثر من شخصية, فكما اوردنا سالفا بأن الشخصية الظاهرة للإنسان لا تعبر بالحتم عن طبيعة وواقع الانسان الحقيقي, وانما توجد هناك جوانب مخفية غير ظاهرة في شخصية الانسان لا يستطيع اظهارها والتفاعل من خلالها في العالم الحقيقي, الأمر الذي يدفع هذا الانسان الى صياغة معالم شخصية افتراضية غير شخصيته الحقيقية يمكن ان تسد النقص في شخصيته الظاهرة. والسؤال هنا ما دامت الشخصية الافتراضية الجديدة لا تستطيع التفاعل مع العالم الحقيقي فكيف يمكن تفعيلها والافادة منها؟ بتطبيق نفس المفهوم على مجموعة او على جميع الاشخاص نجد بان الكثير من الشخصيات الافتراضية تكونت بنفس المفهوم, الأمر الذي يستدعي بيئة او عالما جديدا يمكن لتلك الشخصيات التفاعل فيه, ويمكننا ان نسميها تلك الشخصيات بالشخصيات المدمجة, وان نسمي تلك البيئة ببيئة العالم الافتراضي .
والشخصية المدمجة هي الشخصية التي دمجت بعض خصائصها او جوانبها الحقيقية غير الظاهرة "المخفية" مع البيئة الرقمية او الحاسوبية  مستخدمة العديد من الادوات والوسائل الالكترونية بهدف تفعيلها في بيئة الكترونية جديدة, والتي شكلت في مضمونها ايجاد عالم جديد هو العالم الافتراضي للشخصية المدمجة, ويمكن من خلاله لهذه الشخصية ان تتفاعل مع الشخصيات المدمجة للأشخاص الاخرين. فلو تطرقنا لأمثلة على هذا العالم الافتراضي نجدها متعددة ومتنوعة يمكن لنا ان نورد البعض القليل منها على النحو التالي:
أ‌-       البريد الالكتروني email: وهو وسيلة لتبادل الرسائل النصية الالكترونية بين الاشخاص بصورة الكترونية عبر شبكة الانترنت, مثل ( Hotmail, yahoo, Gmail, وغيرها العديد من المواقع التي توفر خدمة الرسائل النصية). وفيه يمكن للإنسان ان يخاطب اشخاصا معلومين او غير معلومين بمجرد حصوله على عنوانهم البريدي, وبالأسلوب الذي يطري ذاته ويسد حاجته النفسي, وبإمكانه ان يعبر عن اشياء او احاسيس او وجهات نظر وأفكار بحرية قد تكون غير موجودة في العالم الحقيقي أي عند المواجهة المباشرة بين الشخصين
ب‌-  برامج التواصل الاجتماعي: وهي برامج تمكن الإنسان من التواصل والاتصال مع الاخرين سواء بطريقة مباشرة او غير مباشرة مثل( Facebook, twitter, messenger yahoo, msn messenger, Gmail,) وغيرها العديد من برامج التواصل الاجتماعي المتنوعة, ففيها تكون الفرصة للتعبير وتحقيق الذات أكبر من أي حقل اخر, حيث يتاح فيها التبادل النصي والسمعي والبصري وحتى الحسي, وهي الجوانب الأكثر تأثيرا في تشكيل شخصية الانسان, وهذا يعني ان الانسان اذا ما وجد ذاته وحقق ما ينقصها وغذى الجوانب المخفية في شخصيته الحقيقية في العالم الحقيقي, فسيعزف عن التفاعل مع العالم الحقيقي ويذهب نحو العالم الافتراضي الذي يحقق له التوازن في شخصيته, وقد تترجمت حالات التواصل عبر هذا العالم الافتراضي الى حالات التعارف الاجتماعي وبناء الصداقات وتقاسم المعارف المشتركة بين الافراد والتعرف على ما لا يمكن التعرف عليه في العالم الحقيقي حتى وصل الحد الى ان تمت حالات من الزواج الافتراضي الذي يتم عبر البيئة الافتراضية التي وضحناها سابقا.
ت‌-  البرامج الالكترونية المتخصصة: وهي برامج توفر للإنسان الجهد والامكانات والوقت عند البحث عما يسد احتياجاته النفسية والبيولوجية ونذكر منها ما يلي:
-         برامج الالعاب بأنواعها المتعددة مثل ( الألعاب الرياضية, الحروب الوهمية, التفاعل مع مواقف الرعب, والعديد من البرامج التفاعلية الهادفة الاخرى). فيمكن مثلا للإنسان من خلالها ان يمارس رياضة معينة مثل رياضة التنس الارضي, فيكون الانسان الحقيقي امام شاشة الكترونية ومعه المضرب الالكتروني او "الافتراضي", ويكون انسانا افتراضيا اخرا مع الشبكة الفاصلة والكرة الافتراضية ظاهرين عبر الشاشة الالكترونية, فيقوم الانسان الحقيقي بلعب التنس مع الحاسوب ليسد حاجاته النفسية والبيولوجية, علما بأن هذا الانسان قد لا يستطيع ممارسة هذه الرياضة امام العامة.
-         برامج اختبار الذكاء: يخاطب الانسان فيها شخصية افتراضية اخرى مغلفة بالحاسوب, يمكن ان يثمر التخاطب بينهما عن تحديد مستوى ذكاء الانسان الحقيقي, علما بان هذا الانسان الحقيقي قد لا يستطيع ان يتفاعل مع انسان حقيقي اخر لتحديد مستوى ذكاؤه او قدراته الذاتية, ويأتي ذلك من باب الحرج, ولكنه لا مانع لديه بان يخاطب ويتفاعل مع الانسان الافتراضي.
-         البرامج العلمية التخصصية: من خلالها يسعى الانسان للبحث عن المعلومات والمعارف عبر محركات البحث المتنوعة, وكأنه يسأل شخصا افتراضيا عن معلومات لا يعرفها ولم يستطع ان يسألها لشخص حقيقي, ابتعادا عن الحرج او الخوف او غير ذلك .
كما وان هناك العديد من البرامج الالكترونية المتخصصة التي يستهويها الانسان ويتعامل معها أكثر مما يتعامل مع العالم الحقيقي, وذلك لنفس السبب الذي جعله يخفي بعض جوانب شخصيته في العالم الحقيقي.
2-عالم الموبايل "الهاتف المحمول":
وهو عالم افتراضي لا يبعد كثيرا عن عالم الحاسوب من حيث التقنيات وطرق الاستخدام, ولكنه يتميز بسهوله استخدامه والقدرة في الحصول عليه, فهذا العالم يوفر حالة الاتصال والتواصل المباشرة وغير المباشرة بشكل دائم ومستمر بين الاشخاص, ويلجأ اليه الانسان كعالم افتراضي عندما لا يستطيع التعامل مع العالم الحقيقي, فالكثير من الأشخاص تجدهم لا يجيدون الحديث المباشر عند المواجهة مع الاخرين ولكنهم ينطلقون بشخصية اخرى عبر الهاتف المحمول, وهذا يعبر عن عدم قدرتهم لاستخدام بعض جوانب شخصيتهم في العالم الحقيقي, واستخدامها بجدارة في هذا العالم الافتراضي, كما يستطيع الانسان التواصل مع الاخرين في هذا العالم عبر الرسائل النصية القصيرة, وهي تعبير عن الاتصال غير المباشر بينهم, وفيها يمكن للشخص كتابة ما يدور في فكره بصراحة ووضوح مقابل عدم قدرته على توصيل المعلومات التي يريد ان يعرفها الشخص الاخر بدقة وصراحة, فحالة الحرج تجعله يهرب الى هذا الاسلوب, وبعد ان خرجت اجيال الهواتف الذكية اصبح هناك اقتران كبير بين بيئة الهاتف المحمول وبيئة الحاسوب الرقمية, حيث يتوفر في الهواتف الذكية القدرة على الاتصال بشبكة الانترنت – العالم الافتراضي الكبير- وكذلك القدرة على استخدام العديد من البرامج والمكونات التي ذكرناها في عالم الحاسوب الافتراضي, ويأتي ذلك لنفس الاسباب وهي عدم قدرة الشخص من استغلال بعض جوانب شخصيته في العالم الحقيقي.
3-عالم الكتابة "الورقة والقلم":
العديد من الاشخاص يتعذر عليهم مواجهة الاخرين شفويا أي عبر النقاش الكلامي بينهما, الأمر الذي يرسي في نفوسهم حالة من الكبت المتراكم لعدم قدرتهم على التعبير بما يجوب في خواطرهم, فيلجأون الى عالم اخر ليعبروا عن ذواتهم ويبرزوا قدراتهم فيه, فهذا هو عالم الكتابة" الورقة والقلم" ففيه يبدأ الشخص بالتعبير عما في داخله من خلال كتابته وكأنه يخاطب انسانا افتراضيا موجودا في الورقة التي يكتب عليها وعندا تتجمع احاسيسه وافكاره وقدراته ليتوجها بكلمات مخاطبة لذاك الانسان الافتراضي وبالطريقة التي تطري نفسه وتريحها وتحقق لها اعلى مستوى من التوازن .
4-عالم الخيال:
وهو عالم افتراضي يصوغه الانسان بما يناغم هواه, يهرب اليه عندما تتعذر سبل التفاعل مع العالم الحقيقي او مع أي عالم اخر من العوالم الافتراضية, فتبقى حاجات وامنيات الانسان محصورة بين ثنايا افكاره التي من خلالها يرسم في مخيلته تفاصيل ومكونات عالم افتراضي هو ما يتمناه لسد حاجاته وتحقيق امنياته, وفي هذ العالم الافتراضي يختزل الانسان تفكيره بحقائق العالم المحسوس الى تفاصيل العالم الافتراضي المرسوم في خياله ليشعر ويحس بإحساس لم يستطع تحقيقه في العالم الحقيقي وفيه تبرز امنياته لتبحث عن ملجأ لها لتجد ما يحققها في عالم الخيال الافتراضي حيث من الصعب تحقيقها في العالم الحقيقي.
في النهاية نود التساؤل هل يمكن للإنسان ان يعيش بشخصية واحدة؟  بحسب ما اسلفنا فشخصية الانسان جوانبها متعددة منها ما يمكن تفعيله في العالم الحقيقي ومنها ما لا يمكن تفعيله, فيلجأ الى العوالم الافتراضية الاخرى لتحقق الشعور بالجوانب المخفية للشخصية في العالم الحقيقي, مما يحقق الذات وحالة التوازن النفسي عند الانسان .

بقلم الدكتور: محمد عبد اشتيوي

الاثنين، 9 يناير 2012

خلاصة فكرية بعنوان: الرتابــــة الاداريـــــــة





اعتاد العاملون الجدد في المنظمات- سيما في الواقع العربي الذي نعيش, ان يتعاملوا في الفترة التي تلي قرار تعيينهم مع واقع الأنظمة والقوانين والعادات والتقاليد التنظيمية القائمة في المنظمة, باعتبارها مسلمات لا بد من التعامل معها على انها هي الصحيحة فقط, وان أي نتوء او خروج عن التعامل بها يعتبر شذوذا اداريا غير مرغوب فيه. الأمر الذي يكرس حالة من الرتابة والرتانة والتقليد في طرق الاداء وفي التعامل مع تلك الأنظمة والقوانين المفروضة في المنظمة, وهذا يؤثر على الاطار العام للمنظمة من حيث الاكتفاء بحالة التوارث التنظيمي الاعمى, والحد من أي تجديد من شأنه ان يهز كينونة التقليد والرتانة السائدة في المنظمة, ومن جانب اخر فان ذلك يؤثر على قدرات وابداعات العاملين الذين اضطروا ان يتعاملوا مع الارث التنظيمي الموجود بتقليد مبهم اوصلهم الى حالة من الرتابة التنظيمية, وذلك حساب ما يمتلكون من ابداعات وافكار جديدة من شأنها احداث حالة من التطور والتحسين في الاداء, وذلك سيفرض عليهم حالة من الاستسلام للواقع حتى ولو كان نسبيا, فيصبح وجود العامل في المنظمة وجود مبرمج مثله مثل أي ترس يعمل في منظومة متكاملة هدفها محدد وعلى جميع التروس ان يعملوا على تحقيقه بغض النظر عن أي اعتبارات اخرى, فلو بقي هذا الترس سنوات وسنوات في مكانه سيبقى محكوم في ادائه الى اداء الاخرين وما سيتلقى منهم من حالة تفاعل ومشاركة.
        هذه الصورة تنقلنا للتطرق الى نظرية القرود التي تعتبر عنوانا لحالة الرتابة والرتانة الادارية والاستسلام للواقع, ويظهر ذلك عندما كان خمسة من القرود في قفص كبير, وفي سقف القفص تم تعليق كمية من الموز, كما وضع في وسط القفص سلما يمكن للقرود ان يتسلقوه ليصلوا الى الموز, فمن الطبيعي أن يتسارع القرود على صعود السلم, ومن الطبيعي ان يسبق احدهم في الصعود, فلما كان ذلك وصعد احدهم تم رش القردة الاربعة الباقين على الارض بالماء البارد فتعالت اصواتهم بالصراخ, ولم يتوقف رش الماء الا عندما نزل القرد الذي صعد السلم, وبعدها حاول قرد اخر من الاربعة الباقين صعود السلم ليجلب الموز, فتكررت عملية رش الاربعة الباقين بالماء البارد ولما تكررت لأكثر من مرة بدأ القردة يدركون ان رشهم بالماء اقترن بصعود احدهم السلم لجلب الموز, فاصبحوا يمنعون بعضهم من الصعود فاذا حاول احدهم الصعود ضربوه ومنعوه من ذلك خشية من رشهم بالماء البارد, فباتوا جميعهم لا يجرؤون على صعود السلم, وعندما تم اخراج احدهم واستبداله بقرد اخر, فمن أول لحظة حاول القرد الجديد صعود السلم ولكنه تفاجأ بان القردة الاخرين يضربونه ولا يعلم ما السبب, وبتكرار عملية الاستبدال لواحد من القردة القدامى في كل مرة, ومحاولة القرد الجديد صعود السلم وقيام القردة الاخرين بضربه ومنعه, حتى اصبح القردة الجدد يمنعون أي قرد يأتي عليهم من الصعود للسلم وهم لا يدركون ما سبب ما يقومون به, ولكن بدأوا يأخذون السلوك بشكل توارثي حتى بعد تغيير المجموعة القديمة بأكملها, وأصبحت حالة من الرتابة والرتانة تعم سلوكهم في القفص .
        والجدير بالذكر أننا نعيش في عصر الحداثة والتطور ولا يجدر للمنظمات ان تتقيد بحالة الرتابة والرتانة الادارية, وان تقزم ابداعات العاملين فيها وتقتل فيهم روح المبادرة, وانما عليها ان تكون على قدر من المرونة والتفاعل العالي مع متغيرات العصر وما يتطلبه من عمليات تحسين وتطوير للأداء, ولن يتم ذلك الا في وجود حالة ابداعية تشاركية فاعلة لجميع العاملين في المنظمة, وان تتبنى المنظمات تلك الحالة الابداعية بتوفيرها الارضية الخصبة والمناسبة لتنمو وتكبر بها عبورا نحو مجاراة الحداثة والتطور الحاصل عالميا وتلبية لمتطلبات العملاء المتنوعة وسد حاجاتهم ورغباتهم.  
                                                                   بقلم الدكتور: محمد اشتيوي

خلاصة فكرية بعنوان: النظارة الخضراء- نظارة السعادة




جميل أن نرى الأشياء على ما نحب ونرغب, بما يدخل الى قلوبنا السعادة والقبول لتلك الاشياء, وهنا يكون معدل القبول لها نسبياً ومرتبطاً بمستوى قبولنا وقناعتنا بما رأينا, علماً بان مستوى القبول مرتبط بالعديد من المتغيرات الذاتية للإنسان ويتأثر بها مثل: عامل الثقافة, والتحصيل العلمي, والعمر, والعديد من العوامل والمتغيرات الأخرى, وهذا يدلل على أن رؤية الأفراد تتفاوت نحو الأشياء اعتماداً على تلك المتغيرات.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام, هل كل ما يراه الفرد حقيقياً؟ الجواب عن هذا السؤال يدفعنا للتفكير في اتجاه التردد والتشكيك في واقع حقيقة الاشياء التي نراها والتي تصادفنا في حياتنا, علماً بأن سلوكنا كأفراد مرتبط بمثير أو مسبب للسلوك ارتباطاً وثيقا بغض النظر عن ماهيته أو مضمونه غير المرئي أو المخفي. ولكنه يعتمد على الحالة العامة التي تم اخراج ذاك المثير أو المسبب فيها, وهذا المفهوم يعود بنا الى ما كان يحكى بشكل قصصي, عندما كان رجلاً يمتلك شاةً مدللةً اعتادت تلك الشاة على المأكولات النضرة كالبرسيم الاخضر والأعشاب والحشائش الخضراء, ولما تعذر على الرجل توفير تلك الحشائش والاعشاب الخضراء لظروف مر بها, واضطر ان يقدم للشاة الحشائش المجففة( التبن) وشيء من الحطب اللين, عزفت الشاة عن الكل لمرات فنحلت وكادت ان تموت, ففكر الرجل ان يتحايل على الشاة بطريقة ملتوية, فأحضر نظارة لونها اخضر والبسها للشاة وقدم اليها الحشائش المجففة والحطب اللين, فباتت الشاة ترى لونها أخضر عبر النظارة التي لبستها. وذلك على غير لونها الحقيقي, فأقبلت عليها وأكلتها بشراهة ولم تعتد بحقيقتها, ولكنها تقبلتها بسعادة بما يحقق حاجتها ويسد رغبتها, اذاً هذا يدلل على أن ليس كل ما نراه حقيقياً, فقد تكون الحقيقة مغايرة تماما للواقع ولكن حالة التجميل والتنميق التي تتم عليها يمكن أن تخرجها بشكل يجعلها مقبولة عند الاخرين الذين من الممكن ألا يقبلوها لو كانت على حالتها الحقيقية, وهو ما أشار اليه علماء الانثروبولوجيا عندما تحدثوا عن مفهوم "النفاق الاجتماعي" الداعي الى إجراء عمليات تجميل وتنميق للأشياء بما يجعلنا نقبلها بسعادة ورغبة, فيكون الناس على غير حقيقتهم وكأنهم يفرضون علينا أن نلبس النظارة الخضراء كي نراهم عبرها ونتقبلهم برضا وسعادة, فالنظارة الخضراء قد تكون هي الاساس في توفير السعادة للعديد من الناس, لذا فالنظارة الخضراء هي نظارة السعادة.

                                                                  بقلم الدكتور: محمد اشتيوي