السبت، 21 يوليو 2018

المواطنة المنقوصة

د . محمد عبد اشتيوي
يولد المواطن الفلسطيني بالفطرة منتمياً لأرضه ووطنه، مفعماً بتعابير الوطن التي تشكل كينونته الوطنية . والتي من خلالها يمكن ان يتشكل مضمون المواطنة لديه وهي المضمون الذي يعبر عن التزام المواطن الادبي والاخلاقي بتقديم الواجب الوطني واي متطلبات او سلوكيات من شانها خدمة الوطن دون ان ينتظر اي مقابل. وهو تعبير واضح عن الانتماء الوطني الصادق. الامر الذي يحقق لدى المواطن حالة من الرضا عن الذات تجاه الوطن. ففي اغلب دول العالم ينظر الوطن الى مواطنيه نظرة واجب في تحقيق الرفاهية ومتطلبات الحياة والتي بالتأكيد ستنعكس على تحقيق الرضا عند المواطن.
اما في قطاع غزة يتضح بان مضمون المواطنة منقوص. وذلك نظراً لوجود خلل في تحقيق المعادلة، فبالرغم من تبني السواد الاعظم من ابناء شعبنا لمضامين المواطنة الحقيقية والانتماء الحقيقي للوطن ويقدموا كل ما لديهم من امكانات ، الا انهم لم يشعروا بالرضا الوطني نظرا لحالة العجز التي يمر بها الوطن فاصبح غير قادر على تلبية احتياجات المواطن، اصبح غير قادر على تحقيق الرضا لديه، فلا ماء ولا كهرباء ولا عمل ولا سفر ولا مستقبل . فغياب الامل لجيل ان لم يكن لأجيال متعاقبة جعل من معادلة المواطنة مختلة وغير متوازنة. وهو ما جعل اليأس الوطني يتسلل لدي العديد من ابناء قطاع غزة، وهو ما دفعهم الى الدخول في حالة احباط وفتور وتنكر لأغلب متغيرات المرحلة التي يمكنها ان تؤثر في صياغة الواقع الحالي. وهو ما يمكن التعبير عنه بالمواطنة المنقوصة . فان اي تراجع لدافعية المواطن نحو تقديم ولو جزء من خدماته وقدراته وامكاناته للوطن يمكن تشخيصه بانه مواطنة منقوصة. 
امام هذه الحالة فلا بد من تعزيز الوعي الوطني لدى الاجيال المتعاقبة والتاكيد على ان المواطن يجب ان يعطي الوطن ولا ينتظر اي مقابل ، وان الحالة الوي يمر رها الوطن فلسين وقطاع غزة تحديداً هي حالة لا ارادية فرضها الاحتلال الإسرائيلي ومعه متغيرات المنطقة والاقليم والتفاعلات الدولية. وهو ما يشكل حالة مرضية استثنائية يجب ان يتشافى ويتعافى منها الوطن عبر تعزيز مفهوم المواطنة الصادقة وبذل كل جهد يمكنه ان يسهم في طرد الاحتلال من على ارضنا ومن سمائنا وبحرنا لتتحقق معادلة المواطنة بشقيها بشكل متوازن .
قطاع غزة يحتاج منا الكثير وان المخزون الوطني الموجود في قطاع غزة كبير وكبير جدا . يمكن لكل الوطن فلسطين الاعتماد عليه في معادلة التحرير. وان ذلك المخزون حتما لا ينضب مهما تسلل الاحباط وانغلاق الافق والشعور بالتردي الوطني. فقطاع غزة سيبقى عمود الخيمة الوطنية لقضيتنا الفلسطينية . ومهما اشتدت المؤامرات عليه سيبقى ابناؤه هم الاجدر بحمل راية المشروع الوطني بجانب كل الشرفاء من ابناء الوطن فامام الوطن فلا بد وان تزول كل عوامل التجزئة الجغرافية وان تنصهر كل الامكانات والقوى والمقدرات في بوتقة الوطن الكبيرة.

المصالحة بين حالتي التكلس واللياقة الوطنية

د . محمد عبد اشتيوي
أمام حالة التكلس التي تمر بها مراحل إتمام المصالحة الوطنية الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس باعتبارهما القطبين الرئيسيين في احداث الانقسام الفلسطيني منذ العام 2007، ورغم التبني والرعاية الكاملة لجمهورية مصر العربية ومعها العديد من الدول العربية وغير العربية الداعمة باتجاه استكمال واتمام المصالحة الفلسطينية وانهاء الانقسام الحاصل، الا ان ذلك لم يتم حتى اللحظة وذلك تحت مجموعة من الذرائع والمبررات منها المنطقي ومنها غير المنطقي، فلقد وقفت حركة فتح عند عتبة مضمون التمكين الكامل تحت وفوق الأرض في قطاع غزة، ووقفت حماس عند تحقيق الأمان الوظيفي لموظفيها وضرورة تبني السلطة الفلسطينية كامل موظفيها ودفع مرتباتهم، وأعربت عن عدم تخليها عن سلاحها باعتباره سلاح لمقاومة الاحتلال لا غير، وهو ما أبطأ خطوات التقدم نحو تنفيذ الاطار العام للمصالحة الذي تم التوافق عليه في بداية شهر أكتوبر من العام 2017.
إن حالة التكلس وشبه الجمود السياسي التي تنتاب طرفي الانقسام لم تخرج عن اطار الحفاظ على هيبة ومكانة وسلطة وهيمنة كل منهما على الأرض، وان ذلك يمكن ان يكون على حساب العديد من مقدرات الشعب والقضية الفلسطينية بأكملها، وأن اهم تلك المقدرات هو الانسان الفلسطيني فالكل يعلم مستوى الضنك والضغط الذي بات يعيشه الموطن الفلسطيني المرهون بالتوافق بين طرفي الانقسام، ولم يقف ذلك عند المواطن فحسب بل امتد الى المقدرات الوطنية الاقتصادية وكذلك الاجتماعية والتي انعكس كل ذلك على تردي الحالة السياسية للقضية الفلسطينية برمتها.
فالحساسية الوطنية تستدعي ان يشعر كل من فتح وحماس بشعور وحاجة الشعب وان يعتدا بمقتضيات صموده وتعزيزها على الأرض وليس العكس، ولكن تغليب المفهوم الحزبي من الواضح انه يطغى على السلوكيات الوطنية بشكل عام. ومن الواجب الوطني والسياسي لأي جهة تتقلد منصة الحكم في البلاد ان تعتد بالجماهير وتنطلق منها باتجاه أي خطوة في الصراع مع المحتلين، وذلك يتطلب العديد من الأفكار التي تجعل من الجماهير جزءٌ من صناعة القرار الوطني.
فلماذا لا يتم تحشيد القوى الجماهيرية بكل مكوناتها الرافعة من الاكاديميين والكتاب وأصحاب الراي وقادة العمل الوطني والقادة السياسيين ورجال الدين وأصحاب الحظوة الاجتماعية وأصحاب التأثير المجتمعي بكافة صورهم، وان يتم الذهاب نحو مؤتمر شعبي جماهيري جامع لكل مفاصل ومكونات العمل الوطني الفلسطيني لتوضع أمامهم على طاولة النقاش والحوار حقيقة ما يدور خلال هذه المرحلة الحساسة لقضيتنا الفلسطينية، للخروج بتصورات ومقترحات نابعة من حاجتهم الحقيقية ورؤيتهم الواقعية لمجريات العمل الوطني والسياسي، وان يكون للجماهير دور في صناعة وتركيب القرارات الوطنية في المرحلة القادمة، وهو ما سيجنب فتح وحماس وحتى باقي الفصائل الوطنية تحمل مسئولية القرارات الفردية او الحزبية الخارجة من رؤية فصائلية وحزبية بحتة.
أما امام حالة التكلس السياسية الحاصلة فهناك عدد من التساؤلات التي يمكن في ضوئها بناء عدد من التصورات التي يمكن ان توضع محلاً للنقاش والبناء عليها ما أمكن، وذلك للخروج من حالة التكلس والانتقال الى حالة وطنية مرنة قادرة على عمليات التكيف الوطني والسياسي مع متطلبات المرحلة واحتياجات المواطن والوطن بشكل عام، ومنها:

-لماذا لا يتم إعادة هيكلة الحكومة والمجيء بحكومة تكنوقراطية توافقية تكون المسئولة عن إعادة هيكلة العمل في قطاع غزة تحديداً بشكل مهني وضمن رؤية وطنية جامعة؟
– لماذا لا يتم حصر جميع الأسلحة والأدوات المساندة لعمل الأجهزة الأمنية المتواجدة في قطاع غزة لتوضع تحت تصرف الوزراء أصحاب التخصص ليعاد توزيعها وتخصيصها بعد إعادة هيكلة كاملة لقوى الامن الموجودة في قطاع غزة بتوافق ثنائي بين الحركتين؟
-لماذا لا تقوم الحكومة بتشكيل قوة تنفيذية تأتمر بأمرها سواء على المستوى العسكري التابع للأجهزة الأمنية، أو على المستوى المدني بما يتعلق بعمل الوزارات ودوائر العمل الحكومية، وذلك اعتماداً على موظفي السلطة القدامى والذي من الممكن إعادة تأهيلهم وصقل مهاراتهم من جانب ومن جانب اخر تدعيمهم بموظفين مؤهلين سواء من قطاع غزة او حتى بشكل مؤقت من الضفة الغربية. علة ان تكون هذه القوة نواه لتفعيل باقي الموظفين تحت عباءتها بحسب تشكيلات وتوزيعات للعمل من جديد. واعتقد ان هذه الفكرة ليست بجديدة بل إن حركة حماس طرحتها بعد ان فازت في الانتخابات عام 2006 وتقلد الشهيد سعيد صيام وزارة الداخلية.
-لماذا لا تعمل حركة حماس لتبقى فصيلاً وطنياً مقاوماً يحافظ على منظومة العمل الوطني من خلال هذا المفهوم، وان تكون رافده وداعمة لأي عمل وطني سواء على المستوى السياسي او العسكري منطلقة من مفاهيمها ورؤيتها الخاصة لتحرير ارضنا الفلسطينية.
– لماذا لا يتم العمل بالشراكة بين فتح وحماس على تقاسم الأدوار في تعزيز مبدا الفصل بين السلطات “التشريعية-القضائية-التنفيذية” على ان يتم إعادة هيكلة الجهاز القضائي بشكل يسمح من ممارسة العمل القضائي بحيادية مطلقة عن أي توجهات فصائلية منفردة.
– لماذا لا يرتهن إعادة تشكيل المجلس التشريعي بقرار رئاسي بإجراء وتنفيذ العمليات الديمقراطية عبر تحديد موعد محدد وواضح للانتخابات بكافة مجالاتها ومن ضمنها المجلس التشريعي، ولك وفق برنامج متفق عليه ضمنياً وزمنياً بين الطرفين وبحسب ما تم الاتفاق عليه عند التوقيع على بنود المصالحة في القاهرة.
-لماذا لا تقوم حماس بتفعيل نظام التقاعد لموظفيها الحاليين في محاولة للوصول الى أقل عدد ممكن منهم ليصار الى ادماج ما تبقى منهم ضمن الكشوف الرسمية لموظفي الحكومة وتبنيهم بكافة حقوقهم الوظيفية. وان تقوم بتبني الاعداد الزائدة على مستوى حركي كبديل عن المستوى الوظيفي الرسمي؟
-لماذا لا يتم الفصل بين سلاح السلطة والأجهزة الأمنية وبين سلاح المقاومة التابع للفصائل، على ان يتم التوافق على سلاح سلطة واحدة يوضع تحت تصرف الحكومة وليس غيرها؟ أي ان تحتفظ حماس فقط بسلاح المقاومة كسلاح مرهون وجوده بوجود الاحتلال الإسرائيلي وان يتم وضع خطوط عريضة لطبيعة التعامل معه وطنياً. وذلك سيحقق حالة من التكامل الوطني بين العمل السياسي والعمل العسكري بين الحركتين والمجموع الوطني بشكل كامل.
-لماذا لا يتم التعامل مع قطاع غزة على انه جزء أصيل من الوطن وما يتبع ذلك من التزامات مالية وبشرية بكل مجالاتها؟ وأن يندرج القطاع ضمن الموازنة السنوية العامة للحكومة بكافة جوانبها من حيث الدخولات والمصروفات اللازمة، بما لا يجعل قطاع غزة حمولة زائدة وطنياً.
إن حالة التكلس والجمود الحالية لا ولن تخدم قضيتنا الفلسطينية بالمطلق بل ستحقق ما يصبو اليه اعداءنا في تكريس الفرقة والتشرذم والتشلل، وان يبقى شعبنا ضعيفاً لا يقوى على مجابهة أي من المخططات المرسومة لإنهاء قضيتنا الفلسطينية سيما في ضوء الرؤية الامريكية الأخيرة او ما يطلق عليها صفقة القرن

شو يعني تنظيم .؟

د . محمد عبد اشتيوي

تفتحت أعيننا منذ كنا صغاراً على كلمة تنظيم؛ تنظيم فتح تنظيم الجهاد ؛ تنظيم الجبهة الشعبية او الديمقراطية او غيرها من التنظيمات؛ فارتبط مضمون كلمة تنظيم بالتشكيلات والحركات الوطنية المقاومة للاحتلال الاسرائيلي.
ولكن جدير بنا ان نقف هند معنى ومضمون كلمة تنظيم على المستوى العلمي والعملي، وهو ما سيجعل حالة الربط بين معتقداتنا لمضمون الكلمة وبين ممارستها اكثر وضوحاً .
فالتنظيم يعبر عن عملية ادارية تهدف الى تحويل الخطط الى واقع عملي ملموس، وان هذه العملية تكون مبنية على ثلاث تاءات او ما يسمى بمبدأ ال( ت.ت.ت) 
فالتاء الاولى هي تاء ( تقسيم العمل) 
والتاء الثانية هي تاء ( تخصيص العمل)
والتاء الثالثة هي تاء ( تنسيق العمل)
فتقسيم الاعمال الى مستويات قيادية وإشرافيه وتنفيذيه يجعل من الاعمال لا تنحصر عند جهة واحده فقط
اما تخصيص الاعمال فتعني ان نضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فالعمل السياسي يحتاج الى السياسيين والعمل العسكري يحتاج الى العسكريين وكل قسم فيهما يحتاج ما يناسبه من تخصصات فنية ومهنية
اما تنسيق الاعمال فيعبر عن حالة الجمع بين الاعمال التي قُسمت والتنسيق بينها لكي لا يحدث تصادم وازدواجية في المهمات واحداث ارباكات قد تحرف العمل عن تحقيق اهدافه
فاذا غابت احدى التاءات تاه العمل واصبح عشوائياً غير منظم. ومن هذا المنطلق جاءت كلمة التنظيم لتنظم العمل وتضبط تنفيذه من خلال استغلال المقدرات والامكانات المتاحة كمدخلات ، ليصار الى تسخيرها واستخدامها في تحقيق الاهداف المرجوة
وقضيتنا الفلسطينية في ظل المؤامرات التي تحاك ضدها لصالح الاحتلال الاسرائيلي لا تحتمل العشوائية في العمل ، فقضيتنا بأمس الحاجة الى العمل المنظم العمل الهادف المبرمج باتجاه تحقيق اهدافنا الوطنية المتمثلة في دحر الاحتلال عن ارضنا. فالتنظيم يعني الاستغلال الامثل لكل ما نملك من طاقات مقاومة، التنظيم يعني المزج بين كل مكونات العمل المقاوم عسكرياً وسياسياً وغير ذلك، التنظيم يعني الحصول على افضل مخرجات ونتائج عبر افضل استغلال لمقدرات العمل الوطني، التنظيم يعني تكاتف وتظافر الجهود باتجاه تحقيق الغلبة على المحتل، التنظيم يعني ان يعمل كل منا بحسب تخصصه ومجال عمله بمهنية وفنية عاليه تضمن افضل النتائج ضد الاحتلال.
وان التنظيمات المقاومه الموجودة على ساحة العمل الوطني الفلسطيني تشكل في مجملها منظومة العمل الوطني المقاوم للاحتلال، وان تلك التنظيمات تمثل المقدرات والامكانات الحقيقية للعمل الوطني . فلو اعتد كل تنظيم من التنظيمات الفلسطينية بممارسة العمل التنظيمي بشكل مهني ومننهجي فبالتاكيد ستتحقق منظومة متكاملة من العمل الوطني القادرة على الحفاظ على قضيتنا الفلسطينية وعلى دحر الاحتلال من على ارضنا، وقضيتنا في امس الحاجة الى التنظيم.

نداء في فضاءات الوهم

د. محمد عبد اشتيوي
تتوازى العديد من اللقاءات السياسية والمؤتمرات العلمية والندوات التنظيريه مع العديد من تفاصيل مجريات العمل السياسي في قطاع غزة .

فنجد العديد من الفصائل والأحزاب والمؤسسات والجمعيات والمراكز أصبح هدفاً رئيسا لهم عقد لقاءات حوارية لمناقشة قضية مطروحة عمليا على الساحة السياسية؛ ومع تعدد وتكرار عقد تلك اللقاءات كان حريّ الوقوف أمام ما يمكن أن تقدمه تلك اللقاءات من فائدة على المستوى الوطني سواء للخروج من الأزمات التي يمر بها قطاع غزة.

ومن المتعارف عليه ان مثل هذه اللقاءات تكون وسيله وليس هدفاً؛ وسيلةً للوصول الى نتائج او توصيات من شأنها المساهمة في تحقيق الاهداف ؛ اما ان تصبح تلك اللقاءات هدف تشغيلي لتلك المؤسسات فذلك يفقد نتائجها قيمتها الحقيقية؛ وبمجرد ان ينتهي اللقاء تذهب نتائجه ادراج الرياح.

وان كان بعض المؤسسات تخرج بنتائج وتوصيات فاعلة يمكنها ان تساعد في صياغة واقعنا الفلسطيني بشكل افضل ولكن الاهم هنا من الجهة التي يمكن ان تتلقف تلك النتائج للاعتماد عليها في حل المشكلات وبناء التصورات وتحديد الرؤى والسيناريوهات المستقبلية لواقعنا الذي نعيش.

الدول المتقدمة تجعل جزءا كبيرا من ميزانيتها مخصصاً للبحث العلمي؛ وتعتبره جزءا اصيلا في منظومه ادارتها للدولة. ولا تهمل اي مخرجات علمية او بحثية بالمطلق بل تبني عليها استراتيجياتها واجراءات عملها المستقبلي.

اما في فلسطين فالبحث العلمي يعتبر امرا ثانويا لا مكان له امام حالات صراع المسئوليات والسلطة ؛ لا مكان له امام حالة التفرد في القرارات وتعزيز ثقافة الحزب الواحد وعدم قبول الاخر.

وبذلك تكون جميع المؤسسات التي تعقد مثل تلك اللقاءات كالذي ينادي في فضاءات الوهم ؛فنداءاتهم غير مجدية؛ فهم واهمون اذا اعتقدوا بان هناك من يسمعهم او يعتد بنتاج اعمالهم؛ واهمون اذا اعتقدوا ان جهة ما ستتلقف نتائج وتوصيات لقاءاتهم لتبني عليها قراراتها.

غزه تستنزف كثيرا من الاموال في محاوله لطرق جدران الخزان بعقد تلك اللقاءات علّ صاحب الخزان او من بداخل الخزان او من هم حول الخزان يلتفتوا الى معاناة أهل غزة قبل ان يموتوا مثل من ماتوا في قصة الخزان.
لك الله يا غزة.

الأحد، 22 أبريل 2018

جمعة الكاوتشوك والتطهير النفسي

تعددت الآراء حول جدوى اشعال اطارات الكاوتشوك كٱحد مظاهر التظاهر السلمي التي يتضمنها برنامج مسيرة العودة التي بدٱت فعالياتها منذ الثلاثين من مارس، فهناك من شجع وايد وهناك من تحفظ او رفض الفكرة وامام ذلك تجدر الاشارة الى ان علماء النفس اشاروا الى ما يسمى بمفهوم التطهير النفسي الذي يشير الى ضرورة التفريغ النفسي من ادران وشوائب الحياة وضغوطها وذلك يتٱتى بٱكثر من اسلوب . فالكثير من الناس الذين يشعرون بحالة من الضغط النفسي في دول اوروبا يلجٱون الى تخصيص يوم او اكثر في كل سنة يكون الشخص منهم مهيٱ.

لتكسير وتخريب اي شيء امامه فشاهدنا بعضهم يكسر الاطباق وآخرين يحطم محتويات البيت او غير ذلك.  ولم ياتي ذلك جذافا وانما جاء بتوجيهات اطباء نفسيين حيث يتحقق جرائها حالة من الراحة النفسية بمستوى نسبي ومتفاوت بين الاشخاص.  

ولكن المهم في حالتنا الفلسطينية ان معطيات ومقومات الضغط النفسي متوفرة بوفرة خاصة ضمن الظروف التي يمر بها قطاع غزة . فان المواطن في قطاع غزة يتحمل مالا يطيقه اي من مواطني العالم فلا ماء ولا كهرباء ولا عمل ولا دخل ولا زواج ولا مستقبل . وطن مسلوب حرية مقيدة حصار قاتل . جيل من الشباب تنهشه البطالة والفقر والمرض الموت اصبح اسمى ما يتمنى . جيل ارهقته الافات والامراض الاجتماعية.

كل ذلك يقف صغيرا امام حالة القهر الوطني التي يعيشها المواطن الفلسطيني جراء اغتصاب ارضة وربوض الاحتلال على صدره يكتم انفاسه يقتل احلامه الوطنية يحرمه من ادنى حقوقه في وطنه . قضم الارض وفتت الشعب وشتت الاحزاب وقتل الوحدة وقسم العقول . فممارسات الاحتلال  وحالة الانقسام وكل ما انف ذكره اليس بكفيل ان يحقق ضغطارنفسيا لدى المواطنين .

شعبنا للاسف لا يمتلك الاطباق الفاخرة ليقوم بتكسيرها لتطهير نفسيته شعبنا ابدع في  التفكير  وفي كل مرة يثبت شعبنا الفلسطيني انه قادر على كسر كل المعادلات الروتينية التي يعتقد بحتميتها العالم .
اشعال الكاوتشوك فكرة للتعبير عن حالة التفريغ والتطهير النفسي ضمن اطار الاعمال الوطنية للتعبير عن حالة الضغط والقهر التي يعيشها شعبنا المظلوم.  فهل شعبنا ممنوع كذلك من التعبير عن غضبه ؟

اشعال الكاوتشوك هو احد اتجاهات المقاومة ضد الاحتلال فلا تحرموا ابناء قطاع غزة من التعبير عن وطنيتهم وعن غضبهم . فاشعال الكاوتشوك ليش باشعال قنبلة نووية يمكن ان تمسح كيان الاحتلال من على الوجود.  ولن تخترق غلاف الاوزون الوطني كما صوره البعض . فالبيئة التي يعيشهارالمواطنين في قطاع غزة مشوبة بما هو اخطر بكثير من دخان الكاوتشوك .

وما دام اشعال الكاوتشوك يغيظ الاحتلال ويهز كيانه بهذه الطريقة فما بال المثبطين في تعجيز قوة الفعل والتقليل من اهميته ؟ الكاوتشوك عمليا لم ولن يٱخذ الطابع العسكري في المقاومة فهو اسلوب سلمي بحت ويتطابق منهجيا مع توجهات واهداف مسيرة العودة

الاقتراع والضياع من منظور سلطوي


يسعى الكثير من طلاب السلطة والجاه الى الوصول لمبتغاهم اعتماداً على الكثير من المعطيات والمتغيرات التي يمكن ان تشكل جزءاً من التكوين السلطوي لهم، فلو تتبعنا طبيعة وكيفية وصول الكثير من اصحاب السلطة والنفوذ لمواقعهم نجدهم تجاوزوا خطوط المسموح به ليحققوا طموحهم في السلطة. وهو ما تؤكده العديد من لجان التحقيق والحقائق التي تظهر تباعاً بما يتعلق بكينونة وجودهم في السلطة، ورغم كل التجاوزات التي قد يكونوا مارسوها الا انهم يصرون على الانطلاء بعباءة العفة والشرف والوطنية ، ويمارسوا سلطتهم المطلقة دون تقبل ادنى نقد من اي مواطن ، وان تم ذلك تجد ممارسة استغلال النفوذ والغلبة ، تجد صاحب السلطة دخل في مربع اللاتوازن ليقوم باي عمل من شأنه المحافظة على كينونته السلطوية، فمنهم من يوغل اكثر واكثر في بطش الاخرين في محاولة لتقزيمهم وثنيهم عن معارضته، ومنهم من يحاول سحب المعارضين الى مربعه مربع الفساد، ليصار الى توريطهم وجعلهم ينكسرون اخلاقياً ووطنياً ووظيفياً واجتماعياً وهو ما يدعم اطالة فترة سلطته.
اما اذا تعذر عليه ممارسة ما ورد فيكون امامه طريقين يمكنه سلوك احدهما، وهما الذهاب نحو الاقتراع او الضياع.
فالذهاب نحو الاقتراع هو تعبير حضاري يمكن ان يكون ناتج اما عن قناعة صاحب السلطة بضرورة تقبل الراي الاخر وضرورة تعزيز الروح الديمقراطية في الحكم ، والايمان بمبدأ المشاركة على كافة المستويات التي تعزز مبدأ الكفاءة والبذل الوطني، وان الذهاب الى صندوق الاقتراع والانتخابات هي المنجى والاكثر جدوى من اي طريق آخر، وهي التي تعطي مساحة لتبادل الادوار في ادارة العمل السلطوي .
اما الطريق الاخرى فهي الذهاب نحو الضياع وهو التعبير عن حالة العجز عن ممارسة الاقتراع ، وسبل تحقيق هذا الجانب متعددة ، فاذا تحققت لدى صاحب السلطة شعور بعدم قدرته على المحافظة على سلطته ونفوذه وبدأ يفقد توازنه تجده يدخل في حالة اللاتوازن ويتخبط في قراراته ويترنح حتى يصيب بناره كل من حوله ،وقد يحرق الاخضر واليابس ليحافظ ولو على جزء من سلطته التي سيفقدها امام المعارضة ، وهو ما يحقق الخلل في كل موازين العمل سواء بما يتعلق بأصحاب السلطة او بالمحكومين، وعند فقدان الشعور بالسيطرة وتحقيق ما يريد، من الممكن ان يصل الى مرحلة التدمير الذاتي تحت تعزيز منطق عليا وعلى اعدائ ،فاذا تحقق الاقتراع فلا يمكن ان يتحقق الضياع.

هيبة الجماهير


هيبة الجماهير
تناوبت الأحداث الصعبة على قضيتنا الفلسطينية بهدف اضعافها وتقويض جذوتها بكل مقوماتها، وقد تآمر العديد من الأطراف علينا كفلسطينيين سواء من المحيط العربي او من الدول الغربية، وهو ما استنزف فعلياً الكثير من طاقاتنا وامكاناتنا المحسوسة، وهو ما عبر عنه الاحتلال بأنه حالة إهتراء لمحددات القضية ومضمونها، وهو ما يمكنه من التسلل الى جوهرنا وهدمنا من الداخل بالعديد من الأساليب الدنيئة التي مارسها تجاهنا، ولكن الاحتلال وفي كل مرة يصطدم بعكس دراساته وتقاريره وقناعاته ويجد بان هناك مارداً فلسطينياً ينتظره بين جنبات القهر والظلم ، بين حنايا النائبات، بين حبات الرمل المجبولة بدماء أبناء الوطن الشرفاء، ينتظره في وعينا في ضمائرنا في كينونتنا التي راهن على اندثارها طويلاً، ولم يفتأ ذاك المارد ان ينطلق في وجه الاحتلال ليعبر عن قدرته التي تدخل ضمن مفهوم اللامنطق، كما يفسره الكثيرين، ففي كل المراحل التي تطلبت ان يكون، كانت له الغلبة والتأثير والقدرة على صياغة الواقع بكل تفاصيله.
فقد كانت الجماهير وفي كل مراحل ومحطات العمل الوطني التحرري بكل ما تحمله من قدرات وإمكانات وقناعات وطنية تمثل ذلك المارد الوطني المهيب،  فعززت هيبتها عندما نفضت كثبان الظلم من على صدرها وثارت في وجه الاحتلال لتطالب بحقوقها في وطنها وفي كينونتها وحريتها المسلوبة، وفي كل مرة كان يدرك الاحتلال بانه امام جماهير تختلف في طبيعتها عن أي من جماهير دول العالم، وهذا ما وجده خلال مواجهته في قمع أبناء شعبنا في الكثير من المذابح والانتهاكات وما عقبها من تجديد العنفوان الثوري في الانتفاضة الفلسطينية الأولى أو عبر الحروب المتعاقبة التي شنها على الفلسطينيين، ومن قبل ذلك في كل مواطن المواجهة التي دارت مع الشعب الفلسطيني.
وفي ومضة وطنية جديدة كانت مسيرة العودة لتعبر عن ابتكار وطني جديد مقاوم للاحتلال، كانت الجماهير عماده الأساس، وهي التي صفدت الغول العسكري الإسرائيلي من استخدام مقدراته العسكرية في مواجهة الصدور العارية حتى لو كان هذا المفهوم يحتكم الى النسبية.
ومن اهم مواطن القوة التي جعلت من هيبة الجماهير الفلسطينية الثائرة تنمو في صدور واذهان المحتلين، سلميتهم التي فاقت قوتهم العسكرية من حيث هيبتها ووقعها العملي والنتائج التي تحققها على مستوى كسب الراي العام الدولي والإنساني مع قضيتنا الفلسطينية، فهيبة الجماهير التي قزمت آلة البطش الإسرائيلية، استطاعت أن تحول الكثير من مرتكزات فكر الصراع القائم بيننا كفلسطينيين وبين الاحتلال الإسرائيلي، حيث وقع الاحتلال في براثن معاداة المفاهيم الإنسانية والتجاوزات الحقوقية لمنظومة القانون الدولي في الكثير من المواطن. 
فهيبة الجماهير التي اوجدتها مسيرة العودة لم يصنعها فصيل ولم يصنعها قائد او بطل قومي، وانما تكورت وتشكلت انطلاقاً من جبلة الانسان الفلسطيني الثائر الذي تربى وترعرع على حب وطنه وعدم المساومة او التفريط في حقه مهما اشتد الظلم عليه، وحتى لو كانت التنظيمات الفلسطينية رافدة سواء على المستوى المادي أو المعنوي لتلك الجماهير، فهي لم تعدُ أن تحقق لهم لوجستيات الابتكار للعمل المقاوم، فالمسيرة جمعت في حناياها كل الثقافات الوطنية والمجتمعية والعلمية والمعرفية والعرفية، جمعت الاتجاهات الإسلامية والوطنية واليسارية والمستقلين وكل فئات المجتمع متعددة الفكر والاتجاهات.
فقد مثلت المسيرة بوتقةً حوت بين جنباتها قيماً ندر وجودها منذ فترة في المجتمع الفلسطيني، فقد شكلت لوحة وطنية فلسطينية بامتياز تشكل جمالها في البعد الجمعي والتصالحي الموحد لكل أطياف العمل الوطني الفلسطيني، وعبرت عن اشجان وحنين وآمال وأحلام جيل بأكمله دون أي اعتبارات فصائلية او حزبية بل حددت لها وجهة واحدة هي الحالة الوطنية لا غيرها.